الخطيب الشربيني
649
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عَفا أي : بإسقاط حقه كله أو بالنقص منه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة وَأَصْلَحَ أي : أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس فيكون بذلك منتصرا من نفسه لنفسه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي : المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم ، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما زاد الله بعفو إلا عزا » « 1 » إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي : لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله فيترتب عليهم عقابه . وَلَمَنِ انْتَصَرَ أي : سعى في نصر نفسه بجهده بَعْدَ ظُلْمِهِ أي : بعد ظلم الغير له وليس قاصدا التعدي عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان التعدي فَأُولئِكَ أي : المنتصرون لأجل دفع الظالم عنهم ما عَلَيْهِمْ وأكد بإثبات الجار فقال تعالى : مِنْ سَبِيلٍ أي : عتاب ولا عقاب لأنهم فعلوا ما أبيح لهم من الانتصار روى النسائي عن عائشة قالت : « ما علمت حتى دخلت على زينب وهي غضبى ، فأقبلت علي فأعرضت عنها حتى قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : دونك فانتصري ، فأقبلت عليها حين رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئا ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم يتهلل وجهه » « 2 » . واحتجوا بهذه الآية على أن سراية القود مهدرة لأنه فعل مأذون فيه فيدخل تحت هذه الآية . إِنَّمَا السَّبِيلُ أي : الطريق السالك الذي لا منع منه أصلا عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ أي : يوقعون بهم ظلمهم تعمدا عدوانا وَيَبْغُونَ أي : يتجاوزون الحدود فِي الْأَرْضِ بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعا وعلما وعملا بِغَيْرِ الْحَقِّ أي : الكامل لأن الفعل قد يكون بغيا وإن كانت مصحوبا بحق كالانتصار المقرون بالتعدي فيه أُولئِكَ أي : البعداء من الله تعالى لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي : مؤلم يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما آلموا من ظلموه . وَلَمَنْ صَبَرَ أي : عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى وَغَفَرَ أي : صرح بإسقاط العقاب والعتاب بمحي عين الذنب وأثره فَإِنَّ ذلِكَ أي : الفعل الواقع منه البالغ في العلو حدا لا يوصف لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي : معزوماتها بمعنى المطلوبات شرعا . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من عبد ظلم مظلمة فعفا لله إلا أعزه الله تعالى بها نصرا » « 3 » . وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي : الذي له صفات الكمال بأن لم يوفقه فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ أي : يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله تعالى عنه مِنْ بَعْدِهِ أي : بعد إضلال الله تعالى له ، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله تعالى وأن الهداية ليست في مقدر أحد سوى الله تعالى وقال تعالى : وَتَرَى الظَّالِمِينَ موضع وتراهم لبيان أن الضال لا يضع شيئا في موضعه . ولما كان عذابهم حتما عبر عنه بالماضي فقال : لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي : يوم القيامة المعلوم مصير الظالم إليه يَقُولُونَ أي : مكررين لما اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل هَلْ إِلى مَرَدٍّ أي : إلى دار العمل مِنْ سَبِيلٍ أي : طريق فيتمنون حينئذ الرجوع إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات الموجبة للنجاة .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 2588 ، والترمذي في البر حديث 2029 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة حديث 1981 ، وأحمد في المسند 6 / 93 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 436 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 11 .